ابن عجيبة

572

تفسير ابن عجيبة ( البحر المديد في تفسير القرآن المجيد )

القصة ، لم تخطر ببالك ، ولم تقرع سمعك . قال البيضاوي : وهو تعليل لكونه موحىّ ، و « إن » هذه : مخففة ، واللام هي الفارقة . ه . الإشارة : ما نزل القرآن بلسان عربى مبين إلا لنعقل عظمة ربنا ونعرفه ، وذلك لا يكون إلا بعد استعمال العقول الصافية ، والأفكار المنورة ، في الغوص على درر معانيه . فحينئذ تطلع على أنوار التوحيد وأسرار التفريد ، وعلى أنوار الصفات ، وأسرار الذات ، وعلى توحيد الأفعال وتوحيد الصفات وتوحيد الذات . قال تعالى : ما فَرَّطْنا فِي الْكِتابِ مِنْ شَيْءٍ « 1 » ، لكن لا يحيط بهذا إلا أهل التجريد ، الذين صفت عقولهم من الأكدار ، وتطهرت من الأغيار ، وملئت بالمعارف والأسرار . قال تعالى : لِيَدَّبَّرُوا آياتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُولُوا الْأَلْبابِ « 2 » . وهم : أهل العقول الصافية المتفرغة من شواغل الحس . واللّه تعالى أعلم . ثم شرع في ذكر القصة ، فقال : [ سورة يوسف ( 12 ) : الآيات 4 إلى 6 ] إِذْ قالَ يُوسُفُ لِأَبِيهِ يا أَبَتِ إِنِّي رَأَيْتُ أَحَدَ عَشَرَ كَوْكَباً وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ رَأَيْتُهُمْ لِي ساجِدِينَ ( 4 ) قالَ يا بُنَيَّ لا تَقْصُصْ رُؤْياكَ عَلى إِخْوَتِكَ فَيَكِيدُوا لَكَ كَيْداً إِنَّ الشَّيْطانَ لِلْإِنْسانِ عَدُوٌّ مُبِينٌ ( 5 ) وَكَذلِكَ يَجْتَبِيكَ رَبُّكَ وَيُعَلِّمُكَ مِنْ تَأْوِيلِ الْأَحادِيثِ وَيُتِمُّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكَ وَعَلى آلِ يَعْقُوبَ كَما أَتَمَّها عَلى أَبَوَيْكَ مِنْ قَبْلُ إِبْراهِيمَ وَإِسْحاقَ إِنَّ رَبَّكَ عَلِيمٌ حَكِيمٌ ( 6 ) قلت : ( إذ قال ) : معمول لا ذكر ، أو بدل من ( أحسن القصص ) ؛ إن جعل مفعولا ، بدل اشتمال ، و ( يا أبت ) : أصله : يا أبى ، عوض من الياء تاء التأنيث ؛ لتناسبهما في الزيادة ، ولذلك قلبت في الوقف هاء ، في قراءة ابن كثير وأبى عمر ويعقوب . وإنما أعاد العامل في « رأيتهم » ؛ لطول الكلام ، وجمع الشمس والقمر والكواكب جمع العقلاء ؛ لوصفهم بصفاتهم . يقول الحق جل جلاله : إِذْ قالَ يُوسُفُ لِأَبِيهِ يعقوب بن إسحاق بن إبراهيم : يا أَبَتِ إِنِّي رَأَيْتُ في النوم أَحَدَ عَشَرَ كَوْكَباً وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ رَأَيْتُهُمْ لِي ساجِدِينَ . وقد ذكر البيضاوي حديثا في تفسير هذه الكواكب فانظره . قيل : إن يوسف عليه السّلام كان نائما في حجر أبيه ، فنظر فيه ، وقال في نفسه : أترى هذا الوجه

--> ( 1 ) من الآية 38 من سورة الأنعام . ( 2 ) من الآية 29 من سورة ص .